فصل: باب: إِذَا أَهْدَى مالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


كتاب‏:‏ القَدَر

باب‏:‏ في القَدَر

واعلم أنَّ القَدَرَ حصل من مجموع الإِرادة والقدرة، والإِرادةُ عند المتكلِّمين عبارةٌ عن تخصيص بعض المقدورات ببعض الأوقات، وهي صفةٌ تتعلَّق بجانبي الشيء- الوجود والترك- وأنكرها الفلاسفةُ‏.‏ وما ذكره الصدر في «الأسفار»، وابن رشد في «التهافت»‏:‏ أنَّ الفلاسفةَ أيضاً قائلون بصفة الإِرافة، فإنَّه تمويهٌ بلا مِرْيَةٍ، وخِدَاعٌ بلا فِرْيةٍ، لأنَّ ما ذُكِرَ أنَّ الإِرادةَ عندهم تختصُّ بجانب الوجود‏.‏

قلتُ‏:‏ وهل عندهم في جانب الترك إرادةٌ أيضاً أو لا‏؟‏ فإن أقرُّوا بها، فذلك مذهبُ المتكلِّمين بعينه، على أنَّه يكذِّبهم شاهدُ الوجود، فإنَّهم لا يقولون بها‏.‏ وإن كان الثاني، فقد كفانا عن افتضاحهم، فإنَّ جانبَ الترك إذا لم يَدْخُل تحت القدرة، فذلك عينُ الجبر، فإنَّ القَدَرَ إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يَفْعَلْ‏.‏

وأمَّا الإِمكانُ بالذات مع الامتناع بالغير، فقد أَحْدَثَهُ ابنُ سينا، وكان التقسيمُ عند قدمائهم ثُنَائِيّاً، ممكِناً، أو ممتنعاً‏.‏ فالممكِنُ ما يوجدُ مرَّةً، ويَنْعَدِمُ أخرى‏.‏ وما لا يَخْرُجُ من حَيِّز العدم إلى بقعة الوجود لا يُسَمَّى عندهم ممكناً‏.‏ فإنَّ المبحوثَ عنه عندهم كانت المراتبَ الخارجيةَ، والإِمكانُ بالذات مع الامتناع بالغير مرتبةٌ عقليةٌ‏.‏ فإنَّ الممكنَ إذا صار ممتنعاً بالنظر إلى الغير، فقد تَسَاوَقَ الممتنعُ بالذات في عدم خروجه إلى الوجود، وإن كان يفارقه في النظر العقليِّ‏.‏ ثم إنَّ هذا الغيرَ إن اعتبرته في ذات الشيءِ فذاك أيضاً يعودُ إلى الامتناع الذاتيِّ‏.‏ نعم لو اعتبرته خارجةً، خرج قسمٌ ثالث‏.‏

وبالجملة‏:‏ هذا القسمُ من مخترعات ابن سينا، ثم إنَّ العبدَ عند أهل السُّنة مختارٌ، وإن كان مجبوراً في وصف الاختيار، فإنه مودَعٌ فيه، كالماء في القُمْقُمَة، فعاد مجبوراً من وجهٍ أيضاً، وذلك هو الجبرُ مع الاختيار‏.‏

بقي الاختيارخ المستقلُّ، بحيث لا يكون مستنداً إلى قادرٍ، فهو مُحَالٌ في حقِّه، فإنَّ وجودَه نفسَه ليس له حقيقةٌ وتقوُّمٌ، إلاَّ بعد اعتبار حيثية الاستناد، فكيف بصفاته‏؟‏ ولي فيه نظمٌ طويلٌ، قد ذكرتُ بعضَه سابقاً‏.‏

باب‏:‏ جَفَّ القَلمُ عَلَى عِلمِ اللّه

وقَوْلُهُ‏:‏ ‏{‏وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ‏}‏ ‏(‏الجاثية‏:‏ 23‏)‏‏.‏ وَقالَ أَبُو هُرَيرَةَ‏:‏ قالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم «جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ»‏.‏ قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ ‏{‏لَهَا سَبِقُونَ‏}‏ ‏(‏المؤمنون‏:‏ 61‏)‏ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ‏.‏

قال الشارحون‏:‏ المرادُ من كتابة القلم ما هو كائنٌ إلى الساعة، وذلك متناهٍ، فلا إيراد‏.‏

باب‏:‏ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عامِلِين

قد مرَّ الكلامُ مفصَّلاً في أطفال المشركين، وأن ابنَ تَيْمِيَةَ نَسَبَ إلى البخاريِّ أنَّه قائلٌ بنجاتهم، واستدلَّ له بهذه الترجمة‏.‏ قلتُ‏:‏ بل هي دالَّةٌ على نقيضه، لأنَّ ظاهرَها أنَّه اختار التوقُّفَ‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً‏}‏ ‏(‏الأحزاب‏:‏ 38‏)‏

باب‏:‏ العَمَلُ بِالخَوَاتِيم

باب‏:‏ إِلقَاءِ النَّذْرِ العَبْدَ إِلَى القَدَر

باب‏:‏ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللّه

باب‏:‏ المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللّه

‏{‏عَاصِمٍ‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 43‏)‏‏:‏ مانِعٌ‏.‏ قالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ ‏{‏سَدّاً‏}‏ ‏(‏القيامة‏:‏ 36‏)‏‏:‏ عَنِ الحَقِّ، يَتَرَدَّدُونَ في الضَّلاَلَةِ، ‏{‏دَسَّهَا‏}‏ ‏(‏الشمس‏:‏ 10‏)‏ أَغْوَاهَا‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏(‏الأنبياء‏:‏ 95‏)‏

وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏:‏ وَحِرْمٌ بِالحَبَشِيَّةِ وَجَبَ‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّءيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ‏}‏ ‏(‏الإِسراء‏:‏ 60‏)‏

باب‏:‏ تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسى عِنْدَ اللّه

باب‏:‏ لاَ مانِعَ لِمَا أَعْطَى اللّه

باب‏:‏ مَنْ تَعَوَّذَ بِاللّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاء

وَقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ مِن شَرّ مَا خَلَقَ‏}‏ ‏(‏الفلق‏:‏ 1- 2‏)‏‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْء وَقَلْبِهِ‏}‏ ‏(‏الأنفال‏:‏ 24‏)‏

باب‏:‏ ‏{‏قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 51‏)‏ قَضى

قالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ ‏{‏بِفَاتِنِينَ‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 162‏)‏ بِمُضِلِّينَ إِلاَّ مَنْ كَتَبَ اللّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ، ‏{‏قَدَّرَ فَهَدَى‏}‏ ‏(‏الأعلى‏:‏ 3‏)‏ قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى اْلأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلآ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ‏}‏ ‏(‏الأعراف‏:‏ 43‏)‏ ‏{‏لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِى لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏(‏الزمر‏:‏ 57‏)‏

«وَاللّهِ لَوْلا اللّهُ ما اهْتَدَينَا *** وَلاَ صُمْنَا وَلاَ صَلَّينَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَينَا *** وَثَبِّتِ اْلأَقْدَامَ إِنْ لاَقَينَا

وَالمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَينَا *** إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَينَا»

6604- قوله‏:‏ ‏(‏لَقَدْ خَطَبَنَا النبيُّ صلى الله عليه وسلّم خُطْبَةً، ما تَرَكَ فيها شيئاً إلى قِيَامِ السَّاعَةِ إلاَّ ذَكَرَهُ‏)‏‏.‏

واعلم أنَّ العمومَ قد يكون مدلولاً، ولا يكون مقصوداً، وهذا هو عمومٌ غيرُ مقصودٍ، فاعلمه‏.‏ فإنَّه قد زلَّت فيه الأقدامُ، وتحيَّرت منه الأحلامُ‏.‏ أَلاَ ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء‏}‏ ‏(‏النمل‏:‏ 23‏)‏ كيف العمومُ فيه‏؟‏ فإذا دَرَيْتَ أنَّ العمومَ قد لا يكون مقصوداً، فلا تتعلَّق بالألفاظ‏.‏

كتاب‏:‏ الأَيمَانِ وَالنذُور

باب‏:‏ قَوْلُ اللّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 89‏)‏

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «وَايمُ اللّهِ»

باب‏:‏ كَيفَ كانَتْ يَمِينُ النبي صلى الله عليه وسلّم

وَقالَ سَعْدٌ‏:‏ قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ»‏.‏ وَقالَ أَبُو قَتَادَةَ‏:‏ قالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النبي صلى الله عليه وسلّم لاَهَا اللّهِ إِذاً‏.‏ يُقَالُ‏:‏ وَاللّهِ وَبِاللّهِ وَتَاللّهِ‏.‏

باب‏:‏ لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُم

‏(‏‏{‏لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِى أَيْمَنِكُمْ‏}‏‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ الأيمانُ اللغوُ عندنا‏:‏ الحَلِفُ على أمرٍ ماضٍ ظناً أنَّه صادقٌ فيه‏.‏ وعند الشافعية‏:‏ هي ما تجري على اللسان من قولهم‏:‏ لا والله، وبلى والله‏.‏ قال الشيخُ ابن الهُمَام‏:‏ وما ذهب إليه الشافعيةُ داخلٌ في تعريفنا أيضاً‏.‏

6622- قوله‏:‏ ‏(‏فَكَفِّرْ عن يَمِينَكَ، وأْتِ الَّذي هُوَ خَيْرٌ‏)‏ والكفَّارةُ عندنا بعد الحنْثِ‏.‏ وعند الشافعية‏:‏ جازالعكس أيضاً‏.‏

قلتُ‏:‏ أمَّا الحديثُ، فلا فصلَ فيه، فإنَّ الراوي لا يستقرُّ فيه على لفظه، فقد يقدِّم التكفيرَ، وبد يؤخِّر، فليفوِّضه إلى التفقُّه‏.‏

6625- قوله‏:‏ ‏(‏لأنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ‏)‏ أي يُصرَّ‏.‏ هت كرى‏.‏ وحاصلُه أنَّ الإِثمَ فيالإِصرار على مثل هذه اليمين أزيدُ من الحِنْثِ، ثم أداءُ كفَّارته‏.‏

باب‏:‏ لاَ يُحْلَفُ بِاللاَّتِ وَالعُزَّى وَلاَ بِالطَّوَاغِيت

باب‏:‏ مَنْ حَلَفَ عَلَى الشَّيءِ وَإِنْ لَمْ يُحَلَّف

باب‏:‏ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى مِلَّةِ اْلإِسْلاَم

وَقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم «مَنْ حَلَفَ بِاللاتِ وَالعُزَّى فَليَقُل‏:‏ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ»‏.‏ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى الكُفرِ‏.‏

6650- قوله‏:‏ ‏(‏مَنْ حَلَفَ، فقال في حَلِفِهِ‏:‏ باللاَّتِ والعُزَّى‏)‏، أي لكونه حديثَ عهدٍ بالجاهلية، فجرى على لسانه بعد الإِسلام ما كان اعتادَ به في الجاهلية، فَلْيَقُل‏:‏ لا إلهَ إلاَّ الله، تلافياً لِمَا سَبَقَ منه‏.‏

6650- قوله‏:‏ ‏(‏ومَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ‏:‏ تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ‏)‏، وقد مرَّ من الطحاويِّ‏:‏ أنَّ المرادَ من التصدُّق تصدُّقُه بما حَصَلَ من المقامرة‏.‏

باب‏:‏ لاَ يَقُولُ‏:‏ ما شَاءَ اللّهُ وَشِئْتَ، وَهَل يَقُولُ‏:‏ أَنَا بِاللّهِ ثُمَّ بِكَ‏؟‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ‏}‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 109‏)‏

وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ قالَ أَبُو بَكْرٍ‏:‏ فَوَاللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ، لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ في الرُّؤْيَا، قالَ‏:‏ «لاَ تُقْسِمْ»‏.‏

باب‏:‏ إِذَا قالَ‏:‏ أَشْهَد بِاللّهِ، أَوْ‏:‏ شَهِدْتُ بِاللّه

باب‏:‏ عَهْدِ اللّهِ عَزَّ وَجَل

باب‏:‏ الحَلِفِ بِعِزَّةِ اللّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلِمَاتِه

وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم يَقُولُ‏:‏ «أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ»‏.‏ وَقالَ أَبُو هُرَيرَةَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم «يَبْقَى رَجُلٌ بَينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُولُ‏:‏ يَا رَبِّ اصْرِف وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ غَيرَهَا»‏.‏ وَقالَ أَبُو سَعِيدٍ‏:‏ قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم «قالَ اللّهُ‏:‏ لَكَ ذلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ»‏.‏ وقالَ أَيُّوبُ‏:‏ «وَعِزَّتِكَ لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ»‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ الرَّجُلِ‏:‏ لَعَمْرُ اللّه

قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ لَعَمْرُكَ‏:‏ لَعَيشُكَ‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِى أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 225‏)‏

فإنَّ الواوَ للشركة، ولكنَّه يقولُ‏:‏ ثم شِئْتَ، لِيَدُلَّ على التراخي‏.‏ وهذا من باب تهذيب الألفاظ، لا من باب التحريم، ولذا وَقَعَ في بعض المواضع‏:‏ واو العطف أيضاً‏.‏

باب‏:‏ إِذَا حَنِثَ نَاسِياً في الأَيمَان

وَقَوْلِ اللّهِ تَعَالى‏:‏ ‏{‏وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ‏}‏ ‏(‏الأحزاب‏:‏ 5‏)‏، وَقالَ‏:‏ ‏{‏لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ‏}‏ ‏(‏الكهف‏:‏ 73‏)‏‏.‏

وصورةُ الحِنْثِ ناسياً أن يعلِّقَ الحِنْثَ على شيءٍ، ثم يأتي بالشرط ناسياً‏.‏ وعندنا فيه الكفَّارةُ، كما في حال الذكر‏.‏ وأثرُ النسيان في رفع الإِثم، دون الحكم‏.‏ وذهبَ البخاريُّ إلى نفي الكفَّارة أيضاً، ولم يأتِ بشيءٍ من هذا الباب، بل أخرج أحاديثَ من غير هذا الباب، فلا حُجَّةَ علينا‏.‏

باب‏:‏ اليَمِينِ الغَمُوس

‏{‏وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏(‏النحل‏:‏ 94‏)‏ دَخَلاً‏:‏ مَكْراً وَخِيَانَةً‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَئِكَ لاَ خَلَقَ لَهُمْ فِى الاْخِرَةِ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 77‏)‏

وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لاِيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 224‏)‏‏.‏ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏(‏النحل‏:‏ 95‏)‏ ‏{‏وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الاْيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً‏}‏ ‏(‏النحل‏:‏ 91‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ‏}‏‏)‏ والدَّخَلُ‏:‏ كهوت، وهو أن يَحْلِفَ على أمرٍ لئلاَّ يَسُوغَ له فَعلُه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً‏}‏‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ غرضاً لأيمانكم، فتَحْلِفُوا به كلَّ حينٍ‏.‏ وقيل‏:‏ معناه‏:‏ أن تَحْلِفُوا أن لا تفعلوا، فتُعَلِّلُوا، وتقولوا‏:‏ قد حَلَفْنَا‏.‏ وترجمةُ «العُرْضَة» حينئذٍ‏:‏ آر- اوت‏.‏

باب‏:‏ اليَمِينِ فِيما لاَ يَمْلِكُ، وَفي المَعْصِيَةِ وَفي الغَضَب

وقد مرَّ الكلامُ فيه‏.‏ وأن التحقيقَ فيه عندي أن المؤثِّرَ عندي هو تناسبُ الأمرين، فإذا كان الأمران متناسبين يُعْتَبَرُ تعليقُهما، ويؤثِّر لا مَحَالَةَ‏.‏ وإن كانا غيرَ ملائمين يَلْغُو‏.‏ كما إذا قال للأجنبية‏:‏ إن دخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ، فإنَّه لا ملاءمةَ بين دخول الأجنبية والطلاق، فلا يُعْتَبَرُ أصلاً، بخلاف ما إذا أضافه إلى النكاح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي المَعْصِيَةِ، في الغَضَبِ‏)‏ واعلم أنَّ اليمينَ في المعصيةِ ينبغي أن لا يَنْعَقِدَ عن أئمتنا الثلاثة، على ما هو المحرَّر عندي، لأنَّ لصحة النَّذْر شرائطَ‏:‏ منها أن يكونَ من جنسه واجباً، فلا تنعقد في المعصية‏.‏ فإِذا لم تنعقد في المعصية، ينبغي أن لا تجب فيها الكفَّارةُ أيضاً، على ما هو المشهورُ من شرائطها في كُتُبِ الحنفية‏.‏ إلاَّ أن الشيخَ ابن الهُمَام نَقَلَ عن الطحاويِّ أنَّ فيه الكفَّارةَ، وإن لَزِمَهُ الحِنْثُ‏.‏ وكذا وضع محمدٌ باباً في «موطأه»، وصرَّح فيه أن من نَذَرَ بذبح ولده، عليه أن يَحْنَثَ، ويَذْبَحَ شاةً‏.‏ فلا أدري أنَّ هذا هو مختارُهما فقط، أو تعدَّدت الرواياتُ عن صاحب المذهب‏.‏

ثم إنَّ مسألةَ النَّذْرِ قريبٌ من مسألة اليمين‏.‏ وذهب أحمدُ في النَّذْرِ بالمعصية أنَّه ينعقدُ، ويجب عليه الحِنْثُ والكفَّارةُ‏.‏ وتمسَّك بما عند الترمذيِّ‏:‏ «لا نَذْرَ في معصيةٍ، وكفَّارتُه كفَّارةُ يمينٍ»‏.‏ ومحملُه عند الحنفية عندي‏:‏ أنَّ الضميرَ فيه يَرْجِعُ إلى مطلق النَّذْرِ دون النَّذْرِ في المعصية بخصوصه‏.‏

هذا في النَّذْرِ، أمَّا في اليمين، فاتفقوا على أن الحِنْثَ فيه واجبٌ‏.‏

باب‏:‏ إِذَا قالَ‏:‏ وَاللّهِ لاَ أَتَكَلَّمُ اليَوْمَ، فَصَلَّى، أَوْ قَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ،أَوْ كَبَّرَ، أَوْ حَمِدَ، أَوْ هَلَّلَ، فَهُوَ عَلَى نِيَّتِه

وَقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم «أَفضَلُ الكَلاَمِ أَرْبَعٌ‏:‏ سُبْحَانَ اللّهِ، وَالحَمْدُ لِلّهِ، وَلاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ، وَاللّهُ أَكْبَرُ»‏.‏ وقالَ أَبُو سُفيَانِ‏:‏ كَتَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم إِلَى هِرَقْلَ‏:‏ ‏{‏تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 64‏)‏ وَقالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ ‏{‏كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ ‏(‏الفتح‏:‏ 26‏)‏‏:‏ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ حَلَفَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ شَهْراً، وَكانَ الشَّهْرُ تِسْعاً وَعِشْرِين

وهذه الترجمةُ لا توافقنا بتمامها إلاَّ على قول الخَصَّاف، فإنَّه اعتبر نيةَ التخصيص في العموم ديانةً وقضاءً، وأمَّا على المشهور، فنيةُ التخصيص لا تعتبر في العامِّ قضاءً، وإن اعْتُبِرت ديانةً‏.‏

باب‏:‏ إِنْ حَلَفَ أَنْ لاَ يَشْرَبَ نَبِيذاً، فَشَرِبَ طِلاَءً أَوْ سَكَراً أَوْ عَصِيراً لَمْ يَحْنَثْ في قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيسَتْ هذهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَه

والنبيذُ على ما في «شرح العقائد» للنسفي‏:‏ أن يُلْقي تميراتٍ في الماء، فيحلُّوا حتَّى تَظْهَرَ فيه الحموضةُ‏.‏ ولم أر اشتراط الحموضةِ في كتابٍ غيره‏.‏

والطِّلاَءُ‏:‏ أن يَحْتَرِقَ ثلثاه بالطبخ‏.‏

والسَّكرُ‏:‏ هو الماءُ الخارجُ من النخل بدون تفصيلٍ‏.‏

وأمَّا العصيرُ، فهو ماءٌ معتصَرٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لَمْ يَحْنَثْ في قَوْلِ النَّاسِ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وأرادَ من قوله‏:‏ «بعض الناس» الإِمامَ أبا حنيفة‏.‏ وليس مقصودُه ههنا الردَّ عليه، ولكنَّ غرضَه أن اسمَ النبيذِ هل يَتَنَاوَلُ هذه الأشربة أيضاً‏؟‏ فإن كان العرفُ ذلك تناوله لا مَحَالة، فإنَّ مبنى الأَيْمَان على العُرْفِ‏.‏ ولا بَحْثَ ههنا عن حِلِّه وحرمته‏.‏

باب‏:‏ إِذَا حَلَف أَنْ لاَ يَأْتَدِمَ، فَأَكَلَ تَمْراً بِخُبْزٍ، وَما يَكُونُ مِنْهُ اْلأُدْم

والإِدَامُ عندنا ما يُؤْتَدَمُ به، فلا يكون إلاَّ رَطْباً‏.‏ وأطلقه المصنِّفُ على اليابس أيضاً، ولا ضيرَ فيه، فلعلَّه كان عُرْفُ أهل الكوفة في زمن فقهائنا‏.‏ وقد عَلِمْتَ أنَّ مبني الأيمان عندنا على العُرْف‏.‏

باب‏:‏ النِّيَّةِ في الأَيمَان

باب‏:‏ إِذَا أَهْدَى مالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَة

واعلم أن المسألةَ في نية التخصيص في العامِّ ما سَمِعْتَ آنفاً‏.‏ وأمَّا تقييدُ المطلق، فلم يتعرَّضوا له في كتبنا‏.‏ وهناك قسمٌ ثالثٌ، وهو مراتبُ الشيء‏.‏ والمسمَّى هل يَصْلُحُ إرادةَ بعضها دون بعضٍ، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 222‏)‏، فإنَّ مرتبتَه القوصى منه عينُ ما كان اليهود يفعلونها‏.‏ وكنهى النبيِّ صلى الله عليه وسلّم عن الاستمتاع عمَّا تحت الإِزار، أو موضع الطَّمْث، فالرأيُ فيه عندي عبرةُ النية في كلِّها‏.‏ ومراتبُ المُسَمَّى، وإن لم تُذْكَر في عامة الكُتُبِ، لكنَّها يمكن أن تندرجَ في تعريف المطلق لصدر الشريعة‏.‏

وأمَّا ما ذكره الشيخُ ابن الهُمَام في تعريفه، فلا يندرجُ فيه أصلاً، بل يحتاجُ إلى أن يُفْرَزَ له اصطلاحٌ جديدٌ‏.‏ ونُقِلَ عن سيبويه، كما في «شرح الجامع الصغير»‏:‏ أن الفعلَ ليس بعامَ، ولا خاصَ، بل هو مطلقٌ‏.‏ وقال النحاةُ‏:‏ إنَّه جنسٌ، والجنسُ أيضاً يُطْلَقُ على القليل والكثير‏.‏

باب‏:‏ إِذَا حَرَّمَ طَعَامَه

وَقَوْلُهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ ‏(‏التحريم‏:‏ 1- 2‏)‏‏.‏ وَقَوْلُهُ‏:‏ ‏{‏لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 87‏)‏‏.‏

باب‏:‏ الوَفاءِ بِالنَّذْر

وَقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يُوفُونَ بِالنَّذْرِ‏}‏ ‏(‏الإِنسان‏:‏ 7‏)‏‏.‏

باب‏:‏ إِثْمِ مَنْ لاَ يَفِي بِالنَّذر

باب‏:‏ النَّذْرِ في الطَّاعَة

واعلم أن تحريمَ الحلال يمينٌ عندنا، خلافاً للشافعيِّ، ولم يُفصِح المصنِّفُ بجنوحه إلى أحدٍ من المذهبين‏.‏ ثم ظاهرُ القرآن لأبي حنيفة، فإنَّه سمَّى التحريمَ المذكورَ يميناً‏.‏ وأجاب عنه الشافعيةُ‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كان حَلَفَ في هذه الواقعة أيضاً، كما يَدُلُّ عليه قوله في تلك الرواية‏:‏ «وقد حَلَفْتُ، فل تُخْبِري بذلك أحداً»، ويحئنذٍ جاز أن يقولَ قولَه تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ‏}‏ ‏(‏التحريم‏:‏ 2‏)‏ راجعاً إلى هذا اليمين‏.‏ وللحنفية أن يَعَضُّوا على نظم النصِّ بالنواجذ، فإنَّه لما فرَّع على التحريم المذكورِ التحلُّلَ، دَلَّ على ما قلنا‏.‏

باب‏:‏ إِذَا نَذَرَ، أَوْ حَلَف أَنْ لاَ يُكَلِّمَ إِنْسَاناً في الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَسْلَم

والنَّذْرُ في الجاهلية لا يَلْزَمُ عندنا، فلا يَجِبُ الوفاءُ به، والحديثُ محمولٌ على الاستحباب‏.‏

باب‏:‏ مَنْ ماتَ وَعَلَيهِ نَذْر

وَأَمَر ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً، جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفسِهَا صَلاَةً بِقُبَاءٍ، فَقَالَ‏:‏ صَلِّي عَنْهَا‏.‏ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ‏.‏

باب‏:‏ النَّذْرِ فِيما لاَ يَمْلِكُ وَفي مَعْصِيَة

باب‏:‏ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَيَّاماً، فَوَافَقَ النَّحْرَ أَوِ الفِطْر

قوله‏:‏ ‏(‏صَلِّي عَنْهَا‏)‏ وهذا عندنا محمولٌ على الإِثابة دون النيابة‏.‏

6704- قوله‏:‏ ‏(‏مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، ولْيَسْتَظِلَّ، ولْيَقْعُدْ، ولْيُتِمَّ صَوْمَهُ‏)‏، فأمره بوفاء ما كان طاعةً من نَذْرِه، وما لم تكن منه طاعةً، فألغاه‏.‏ ولم أر فيه ذكرَ الكفَّارةِ في طريقٍ‏.‏

باب‏:‏ هَل يَدْخُلُ في اْلأَيمَانِ وَالنُّذُورِ الأَرْضُ وَالغَنَمُ وَالزُّرُوعُ وَاْلأَمْتِعَة

وَقالَ ابْنُ عُمَرَ‏:‏ قالَ عُمَرُ للِنبي صلى الله عليه وسلّم أَصَبْتُ أَرْضاً لَمْ أُصِبْ مالاً قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ‏؟‏ قالَ‏:‏ «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بها»‏.‏ وَقالَ أَبُو طَلحَةَ للِنبي صلى الله عليه وسلّم أَحَبُّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيرُحاءَ لِحَائِطٍ لَهُ، مُسْتَقْبِلَة المَسْجِدِ‏.‏

وراجع مسائلَه من مسائلَ شتَّى من كتاب القضاء من «الهداية»‏.‏ ثم إنَّ هذه من مسائل النية‏.‏ وفي كُتُبِ الفقه‏:‏ من قال لامرأته‏:‏ أنت بائنٌ، فعلى ما نوى من البينونة الصغرى، أو الكبرى‏.‏ ولو قال‏:‏ أنتِ طالقٌ، ونوى ثنتين، لغا‏.‏ وذلك لأنَّ ثنتين عددٌ، واللفظُ لا يحتمله‏.‏ بخلاف البينونة الكبرى، أو الصغرى، فإنَّها من مراتب الشيء‏.‏ وقد نبَّهتك على أن مراتبَ الشيء، وإن لم يتعرَّض إليها الأصوليون، إلاَّ أنها تُسْتَفَادُ من بعض مسائل الفقه، وهذه منها‏.‏

كتاب‏:‏ كَفَّارَاتِ الأَيمَان

باب

قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 89‏)‏‏.‏ وَما أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم حِينَ نَزَلَتْ‏:‏ ‏{‏فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 196‏)‏ وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ‏:‏ ما كانَ في القُرْآنِ‏:‏ أَوْ أَوْ، فَصَاحِبُهُ بِالخِيَارِ، وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم كَعْباً في الفِدْيَةِ‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏(‏التحريم‏:‏ 2‏)‏

مَتَى تَجِب الكَفَّارَةُ عَلَى الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ أَعانَ المُعْسِرَ في الكَفَّارَة

باب‏:‏ يُعْطِي في الكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ، قَرِيباً كانَ أَوْ بَعِيدا

قوله‏:‏ ‏(‏ما كَانَ في القُرْآنِ‏:‏ أَوْ، أعلأْ، فَصَاحبُهُ بالخِيَارِ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، قلتُ‏:‏ وليس ذلك مُطَّرِداً‏.‏

باب‏:‏ صَاعِ المَدِينَةِ وَمُدِّ النبي صلى الله عليه وسلّم وَبَرَكَتِهِ، وَما تَوَارَثَ أَهْلُ المَدِينَةِمِنْ ذلِكَ قَرْناً بَعْدَ قَرْن

باب‏:‏ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 89‏)‏

وَأَيُّ الرِّقابِ أَزْكى‏.‏

باب‏:‏ عِتْقِ المُدَبَّرِ وَأُمِّ الوَلَدِ وَالمُكاتَبِ في الكَفَّارةِ، وَعِتْق وَلَدِ الزِّنَا

وَقالَ طَاوُسٌ‏:‏ يُجْزِىءُ المُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ‏.‏

باب‏:‏ إذا أعتق عبداً بينه وبين آخر

باب‏:‏ إِذَا أَعْتَقَ في الكَفَّارَةِ، لِمَنْ يَكُونُ وَلاَؤُه

6712- قوله‏:‏ ‏(‏كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم مُدّاً وثُلُثاً بِمُدِّكُمْ اليَوْمَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ واعلم أنه لا خلافَ بين الحنفية والشافعية أنَّ الصاعَ أربعةُ أمدادٍ، إنَّما الخلافُ في مقدار المُدِّ‏.‏ فذهبَ الشافعيُّ، ومالكٌ، وأبو يوسف إلى أنه رَطْلٌ وثُلُثٌ، فيكونُ الصاعُ خمسةَ أرْطَالٍ، وثُلُثاً‏.‏ وذهب أبو حنيفة، ومحمد إلى أنه رطلان، وحينئذٍ يكون الصاعُ ثمانيةُ أَرْطَالٍ وكان قَدْرُ المُدِّ والصاعِ قد ازداد في زمن السَّائِب على ما كان في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلّم بكثيرٍ، فصار المُدُّ أربعةَ أرطالٍ، والصاعُ ستةَ عشرةَ رطلاً، ضِعْفَ ما عند العراقيين، وثلاثةَ أضعافِ ما عند الحجازيين‏.‏ ولم يكن هذا الصاعُ مستعملاً في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم بخلاف صاع العراقيين، والحجازيين، فإنَّهما كانا موجودين في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وإن كان أحدُهما أكثرَ من الآخر‏.‏

والسِّرُّ فيه‏:‏ أن أرزاقَ الناس، والحبوبَ كانت قليلةً في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فلمَّا كَثُرَت في عهد السائب زيدَ في مقدار المُدِّ والصاع، مع بقاء ارسم على حاله‏.‏ وهذا كتفاوت سير في بلادنا، كم ترى فيه فرقاً في بمبمىء، وبشاور مع اتحاد الاسم بعينه‏.‏ ولذا قيَّده الراوي بقوله‏:‏ «بمُدِّكم اليومَ»، كأنَّه يُشِيرُ إلى زيادة مُدِّه، فإنَّ مُدَّه اليومَ، وثُلُثَهُ ساوى تمامَ صاع النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وهذا الحسابُ لا يستقيمُ إلاَّ إذا كان المُدُّ في عهده أربعةَ أرطالٍ، فيكون الصاعُ ستةَ عشرةَ رَطْلاً‏.‏ ولمَّا زادَ الثُّلُثُ على المُدِّ، وثُلُثُ لمُدِّ رطلٌ وثُلثٌ، خَرَجَ أن صاعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم كان خمسةَ أرطالٍ، وثُلُثاً، كما ذكره ابن بطَّال في «الهامش»‏.‏

6713- قوله‏:‏ ‏(‏كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ بِمُدِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم المُدِّ الأَوَّلِ‏)‏ يقولُ الشافعيةُ‏:‏ إنص المُدَّ الأوَّلَ هو رطلٌ وثُلُثٌ‏.‏ وللحنفية أن يدَّعوا بثبوت صاعهم أيضاً في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وحينئذٍ يَسُوغُ لهم أن يَحْمِلُوه على مذهبهم‏.‏

6713- قوله‏:‏ ‏(‏قَالَ أبو قُتَيْبَةَ‏:‏ قال لَنَا مَالِكٌ‏:‏ مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُم‏)‏ قال الحافظُ‏:‏ إنَّ المرادَ منه العُظْمَ بحسب البركة، وذلك لأنَّه خشي أن لا يَثْبُت في قدر الصاع في متن المدينة اختلافٌ، فَيَثْبُتُ صاعُ الحنفية عند أهل المدينة‏.‏ ولذا نُسِبَ صاعُنا إلى الحجَّاج، وسمَّاه حَجَّاجِيّاً، مع أنه ثَبَتَ عن عمر‏.‏ فحمله على أنَّ المرادَ منه عمرُ بن عبد العزيز‏.‏ ولَعَمْرِي أنه صنيعٌ لا ينفع الدينَ‏.‏

قلتُ‏:‏ وقد صرَّح مالك‏:‏ أن المرادَ منه الزيادةُ في المقدار، دون البركة فقط‏.‏ فراجع ظهار «الموطأ»، وفيه‏:‏ أنَّ المُدَّ الواجبَ في سائر المواضع هو ما كان في عهده صلى الله عليه وسلّم أمَّا في الظهار فما حدث اليوم‏.‏ فكأنَّه اعتبر في الظِّهَار الاسمَ، وفي سائر المواضع القَدْرَ، وقد عَلِمْتَ أن الاسمَ لا يختلف باختلاف القَدْرِ‏.‏

6713- قوله‏:‏ ‏(‏وقَالَ لي مَالِكٌ‏:‏ لَوْ جَاءَكُم أَمِيرٌ، فَضَرَبَ مُدَّاً أصْغَرَ مِنْ مُدِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم بأيِّ شيءٍ كُنْتُم تُعْطُونَ‏؟‏‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، أي لو كان المُدُّ نَقَصَ من مدِّه صلى الله عليه وسلّم لَمَا كنتم أعطيتموه في حقوق الله، فكذلك إذا زاد عليه‏.‏

وبالجملة‏:‏ إنَّ المَدَارَ في أداء الحقوق ليس إلاَّ على المُدِّ الذي كان بعهد النبيِّ صلى الله عليه وسلّم سواء زاد بعده، أو نَقَصَ‏.‏ وكان النَّاسُ إذ ذاك يُعْطَون مُدَّهم على ما كان عندهم، فإن كان مُدُّهم زائداً أعطوا من هذا الزائد، وإن كان ناقصاً فمن الناقص، على نحو ما ذَكَرَه ابنُ الهُمَام‏:‏ أنَّ الدِّرْهَمَ المعتبرَ في باب الزكاة هو ما كان رائحاً عند أهل البلدة، بشرط أن لم يكن ناقصاً ممَّا كان بعهده صلى الله عليه وسلّم وجعلَ مالكُ المدارَ في المُدِّ على مُدِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم في الصورتين جميعاً‏.‏ والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

باب‏:‏ الاِسْتِثْنَاءِ في الأَيمَان

6718- قوله‏:‏ ‏(‏ما أَنَا حَمَلْتُكُم، بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ‏)‏ وقد التزمَ السيوطي في «عقود الجمان» أن لا يأتي بِمِثَالٍ من علم المعاني، والبيان، والبديع إلاَّ من القرآن والحديث‏.‏ فلم يَجِدْ لمسألة‏:‏ «مِثَالاً فيهما، فأتى بشعر المتنبِّي‏.‏ قلتُ‏:‏ ولعلَّه لم يتوجَّه إلى حديث البخاريِّ هذا، فدونك منِّي مثالُه من البخاريِّ، وتشكر‏.‏

باب‏:‏ الكَفَّارَةِ قَبْلَ الحِنْثِ وَبَعْدَه

واعلم أن الراوي لمَّا لم تَثْبُت له قدمٌ عند ذكر الكفَّارة قبل الحِنْثِ، فتارةً قدَّم الكفَّارةَ قبل الحِنْثِ، وتارةً أخَّرها عنه في الذكر‏.‏ والمصنِّف بوَّب بالأمرين، وأَجَازَ بهما لمَّا لم يتعيَّن عنده أحدُ اللفظين‏.‏

قلتُ‏:‏ وذلك صنيعٌ ضعيفٌ جداً، إلاَّ أنَّ البخاريَّ قد يَرْكَبُه أيضاً‏.‏ ثم اعلم أنَّه لم يَقُلْ أحدٌ بجواز التقديم في الكفَّارة البدنية‏.‏ نعم أجاز بها الشافعيةُ في الماية‏.‏ وأمَّا ما أخرجه البخاريُّ من الروايات في ذلك، فهي أوفقُ بنظر الحنفية‏.‏

كتاب‏:‏ الفَرَائِض

باب‏:‏ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ‏.‏ ولكم نصف مما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 11- 12‏)‏

باب‏:‏ تَعْلِيمِ الفَرَائِض

وَقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ‏:‏ تَعَلَّمُوا قَبْلَ الظانِّينَ‏.‏ يَعْنِي‏:‏ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «لاَ نُورَثُ ما تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «مَنْ تَرَكَ مالاً فَلأَهْلِهِ»

باب‏:‏ مِيرَاثِ الوَلَدِ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّه

وَقالَ زَيدُ بْنُ ثَابِتٍ‏:‏ إِذَا تَرَكَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ بِنْتاً فَلَهَا النِّصْفُ، وَإِنْ كانَتَا اثْنَتَينِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ، وَإنْ كانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ بُدِىءَ بِمَنْ شَرِكَهُمْ فَيُؤْتَى فَرِيضَتَهُ، فَمَا بَقِيَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اْلأُنْثَيَينِ‏.‏

باب‏:‏ مِيرَاثِ البَنَات

وراجع تفصيلَ المناسخة من «حاشية الموطأ» للشاه عبد العزيز، فإنَّه أجادَ فيه جداً، ولم أر أحداً منهم أتى بمثله‏.‏ ولي فيه نظمٌ يحتوي على مئة بيتٍ‏.‏

6732- قوله‏:‏ ‏(‏لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ‏)‏ واعلم أنَّ العصبةَ إمَّا بنفسه، أو بالغير، أو مع الغير‏.‏

فالأوَّلُ‏:‏ هو أقربُ رجلٍ ذكرٍ إلى الميِّت‏.‏

وأمَّا الثاني‏:‏ فهو الإِناثُ، والغيرُ يكون عصبةً بنفسه‏.‏

وأمَّا الثالثُ‏:‏ فهو، والغيرُ كلاهما إناثٌ فيه‏.‏ فالاستحقاقُ فيه إنَّما يأتي من قبل الاجتماع، وإلاَّ فلا عَصَبِيَّةَ فيه من جهة نفسه؛ كما في القسم الأوَّل‏.‏ ولا من جهة الغير، كما في الثاني‏.‏

باب‏:‏ مِيرَاثِ ابْنِ الابْنِ إِذَا لَمْ يَكُنِ ابْن

وَقالَ زَيدٌ‏:‏ وَلَدُ اْلأَبْنَاءِ بِمَنْزِلَةِ الوَلَدِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُمْ وَلَدٌ، ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ، وَأُنْثَاهُمْ كأُنْثَاهُمْ، يَرِثُونَ كما يَرِثُونَ، وَيَحْجُبُونَ كما يَحْجُبُونَ، وَلاَ يَرِثُ وَلَدُ الابْنِ مَعَ الابْنِ‏.‏

باب‏:‏ مِيرَاثِ ابْنَةِ ابْنٍ مَعَ ابْنَة

فابنُ العم محرومٌ عند وجود العم، وذلك لأنَّ العبرةَ فيه للطبقة، فإذا كان الابنُ الصلبيُّ موجوداً، لا يُعْبَأ بالابن بالواسطة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وَلاَ يَرِثُ وَلَدُ الابْنِ مَعَ الابْنِ‏)‏، أي الابن للميِّت‏.‏

باب‏:‏ مِيرَاثِ الجَدِّ مَعَ اْلأَبِ وَالإِخْوَة

وَقالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيرِ‏:‏ الجَدُّ أَبٌ‏.‏ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ ‏{‏يَبَنِى آدَمَ‏}‏ ‏(‏الأعراف‏:‏ 27‏)‏ ‏{‏وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءابَآءي إِبْرهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ‏}‏ ‏(‏يوسف‏:‏ 38‏)‏ وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَحَداً خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ في زَمانِهِ، وَأَصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلّم مُتَوَافِرُونَ‏.‏ وَقال ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ يَرِثُنِي ابْنُ ابْنِي دُونَ إِخْوَتِي وَلاَ أَرِثُ أَنَا ابْنَ ابْنِي‏؟‏ وَيُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيدٍ أَقاوِيلُ مُخْتَلِفَةٌ‏.‏

باب‏:‏ مِيرَاثِ الزَّوْجِ مَعَ الوَلَدِ وَغَيرِه

والأخوةُ محرومون عندنا عند وجود الجد، وهو مذهب أبي بكرٍ الصديق‏.‏ وتجري فيه المقاسمة عند صاحبيه‏.‏

باب‏:‏ مِيرَاثِ المَرْأَةِ وَالزَّوْجِ مَعَ الوَلَدِ وَغَيرِه

باب‏:‏ مِيرَاثُ اْلأَخَوَاتِ مَعَ البَنَاتِ عَصَبَة

باب‏:‏ مِيرَاثِ الأَخَوَاتِ وَاْلإِخْوَة

6740- قوله‏:‏ ‏(‏ثُمَّ إنَّ المَرْأَةَ التي قَضَى عَلَيْهَا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وقد يقول الراوي‏:‏ «قضى لها»، بدل‏:‏ «عليها»، فيختلفُ المرادُ، فإنَّ الأولى هي الجانيةُ، والثانية هي المجنيةُ‏.‏ والظاهرُ هو النسخةُ الأولى لِمَا فيها من بداعة، وهي أنَّ العقل يَجِبُ على عصبتها، أمَّا الوراثةُ فتكون لزوجها وولدها، ففيه استغرابٌ، ما للعصبة يغرَّمون العقلَ، ولا يحوزون الوراثةَ‏؟‏‏.‏

وإن كانت النسخة‏:‏ «قضى لها»، فالمرأةُ هي المجنيةُ، والضميرُ في قوله‏:‏ «على عصبتها» يرجع إلى الجانية، فَيَلْزَمُ الانتشارُ في الضمائر‏.‏ ويُسْتَفَادُ من كلام البخاريِّ أنَّ الابنَ ليس بعصبةٍ، فلا يُؤْخَذُ بالدِّيَةِ، مع أنَّه لو كان من عشيرتها كان عصبةً أيضاً، ويغرَّم الدِّيَةَ‏.‏ نعم لو لم يكن من قبيلتها لم يكن عصبةً، ولا يغرَّم الدِّيَةَ‏.‏ وراجع لحلِّ العبارة الهامشَ من طبع الهند‏.‏

باب‏:‏ ابْنَي عَمَ‏:‏ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلأُمِّ، وَالآخَرُ زَوْجٌ

ل

وَقالَ عَلِيٌّ‏:‏ للِزَّوْجِ النِّصْفُ، وَللأَخِ مِنَ اْلأُمِّ السُّدُسُ، وَما بَقِيَ بَينَهُمَا نِصْفَانِ‏.‏

ومحصَّل الترجمة أنَّه ماذا يَصْنَعُ إذا اجتمعت القرابتان في رجلٍ واحدٍ‏؟‏ فإنَّ الآخرَ ابن عمِّها، ثم هو زوجها أيضاً‏.‏ فالمسألةُ فيه أنَّ الزوجَ يَجُوزُ نصيبَه من جهة الفرضية، وكذا ابن العمِّ من حيث كونه ولدَ الأمِّ، ويشتركان في العصبية سواء‏.‏

باب‏:‏ ذَوِي اْلأَرْحام

باب‏:‏ مِيرَاثِ المُلاَعَنَة

باب‏:‏ الوَلَدُ لِلفِرَاشِ، حُرَّةً كانَتْ أَوْ أَمَة

باب‏:‏ الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَمِيرَاثُ اللَّقِيط

وَقالَ عُمَرُ‏:‏ اللَّقِيطُ حُرٌّ‏.‏

وراجع شرح الحديث من «النبراس» لمولانا عبد العزيز‏.‏

باب‏:‏ مِيرَاثِ السَّائِبَة

باب‏:‏ إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيه

6754- قوله‏:‏ ‏(‏فَإِنَّما الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ‏)‏ واعلم أنَّ الوَلاَءَ لحمةٌ كلحمة النسب عند الشرع، وحقٌّ لازم، فلا يَسْقُطُ بالإسقاط، ولا يَصْلُحُ للانتقال‏.‏

6754- قوله‏:‏ ‏(‏قَالَ الأَسْوَدُ‏:‏ وكَانَ زَوْجُهَا حُرّاً‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وهذا يفيد الحنفيةُ‏.‏ وتصدَّى له البخاريُّ، وحَكَمَ عليه بالانقطاع‏.‏ وأجاب عنه العَيْنِيُّ، فلا يَضُرُّ انقطاعُ هذا الطريق إذا ثَبَتَ من غير طريقه‏.‏

باب‏:‏ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيه

وَكانَ الحَسَنُ لاَ يَرَى لَهُ وِلاَيَةً‏.‏ وَقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم «الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»‏.‏ وَيُذْكَرُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَفَعَهُ قالَ‏:‏ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ‏.‏ وَاخْتَلَفُوا في صِحَّةِ هذا الخَبَرِ‏.‏

باب‏:‏ ما يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الوَلاَء

باب‏:‏ مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَابْنُ اْلأُخْتِ مِنْهُم

وهي ولاءُ الموالاة‏.‏ والحديثُ فيه حسنٌ، وإن نقل البخاريُّ الاختلافَ في تصحيحه‏.‏

باب‏:‏ مِيرَاثِ اْلأَسِير

قالَ‏:‏ وَكانَ شُرَيحٌ يُوَرِّثُ اْلأَسِيرَ في أَيدِي العَدُوِّ، وَيَقُولُ‏:‏ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيهِ‏.‏ وَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ‏:‏ أَجِزْ وَصِيَّةَ اْلأَسِيرِ وَعَتَاقَهُ، وَما صَنَعَ في مالِهِ، ما لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ دِينِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ مالُهُ يَصْنَعُ فِيهِ ما يَشَاءُ‏.‏

باب‏:‏ لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ، وَلاَ الكافِرُ المُسْلِم

وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ المِيرَاثُ فَلاَ مِيرَاثَ لَهُ‏.‏

أي من أُسِرَ في أيدي الكفَّار، فمات له مورِّث، يُوقَفُ ميراثُه‏.‏ ولو تُصُرِّفَ فيه حال أسره، يُعْتَبَرُ تصرُّفه ما لم يتغيَّر عن دِينِه، أي يرتدُّ، والعياذ بالله‏.‏

باب‏:‏ مِيرَاثِ العَبْدِ النَّصْرَانِيِّ ومُكَاتَبِ النَّصْرَانِيِّ وَ إِثْمِ مَنِ انْتَفى مِنْ وَلَدِه

باب‏:‏ مَنِ ادَّعى أَخاً أَوْ ابْنَ أَخ

باب‏:‏ مَنِ ادَّعى إِلَى غَيرِ أَبِيه

وهذا إقرارٌ بالنسب على الغير، وراجع له «الهداية»‏.‏

باب‏:‏ إِذَا ادَّعَتِ المَرْأَةُ ابْنا

باب‏:‏ القَائِف

وهو مصوَّرٌ في فقهنا بكونه إقراراً على نفسها دون الزوج‏.‏

كتاب‏:‏ الحُدُود

باب‏:‏ ما يُحْذَرُ مِنَ الحُدُود

باب‏:‏ لاَ يُشْرَب الخَمْر

وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ يُنْزَعُ مِنْهُ نُورُ اْلإِيمَانِ في الزِّنَا‏.‏

باب‏:‏ ما جاءَ في ضَرْبِ شَارِبِ الخَمْر

وحَدَّثَنَا آدَمُ‏:‏ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ‏:‏ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللّهِ عَنْهُ‏:‏ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم ضَرَبَ في الخَمْرِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ أَمَرَ بِضَرْبِ الحَدِّ في البَيت

باب‏:‏ الضَّرْبِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَال

6779- قوله‏:‏ ‏(‏حَتَّى إذا عَتَوْا وفَسَقُوا، جَلَدَ ثَمَانِينَ‏)‏، وبه أخذ الحنفيةُ، لكونه آخرَ ما استقرَّ عليه العملُ في زمن الخلفاء‏.‏ ولمَّا كان الأمرُ فيه مختلفاً في عهد صاحب النبوة، قال عليٌّ‏:‏ «إنصِ لو مات ودِيَتُهُ»، كما في حديثٍ قبله‏.‏

باب‏:‏ ما يُكْرَهُ مِنْ لَعْنِ شَارِب الخَمْرِ، وَأَنَّهُ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنَ المِلَّة

باب‏:‏ السَّارِقِ حِينَ يَسْرِق

انظر إلى جلالة المصنِّف، أنَّه لم يتكلَّم بهذا الحرف في كتاب الإِيمان، لأنَّه ادَّعى فيه جزئيةَ الأعمال للإِيمان، واختار أنَّه كفرٌ دون كفرٍ، فأحبَّ أن يجعله مُطَّرِداً، ولم يَضَع فيه استثناءً، فأبقاه على عمومه‏.‏ وصَدَعَ اليومَ أنَّ مرتكبَ الكبيرةِ ليس خارجاً عن الملَّةِ، وغيرَ داخلٍ في حدِّ الكفر‏.‏ وقد كان هذا التعبيرُ يَضُرُّه فيما ادَّعاه في كتاب الإِيمان، فكيف أَغْمَضَ عنه ههنا، كأنَّه ليس هناك صائتٌ يُصَوِّتُ‏.‏

باب‏:‏ لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَم

باب‏:‏ الحدُودُ كَفَّارَة

باب‏:‏ ظَهْرُ المُؤْمِنِ حِمًى إِلاَّ في حَدَ أَوْ حَق

باب‏:‏ إِقامَةِ الحُدُودِ وَالانْتقَامِ لِحُرُماتِ اللّه

باب‏:‏ إِقامَةِ الحُدُودِ عَلَى الشَّرِيفِ وَالوَضِيع

6783- قوله‏:‏ ‏(‏لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقَ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ ولمَّا ظنَّ الراوي أن البيضةَ شيءٌ تافهٌ، وكذا الحبلُ، لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ نصاب السرقة، حمل البيضةَ على بيضة الحديد، أي خود، وكذا الحبلَ على ما يساوي دراهم‏.‏

قلتُ‏:‏ لا حاجةَ إليه، لأنَّ المرادَ أنَّ المرءَ يَسْرِقُ أوّلاً محقَّرات الأشياء، فإذا اعتاد بها، سَرَقَ الثمينَ أيضاً، فَتُقْطَعُ يدُه، فتكون سرقةُ نحو الحبل سبباً لقطع يده‏.‏

باب‏:‏ كَرَاهِيَةِ الشَّفَاعَةِ في الحَدِّ إِذَا رُفِعَ إِلَى السُّلطَان

وهو المسألةُ عندنا‏.‏ أمَّا قبل الرفع إلى القاضي، فتستحبُّ له الشفاعةُ، إذا عُلِمَ أنَّ موجبَ الحدِّ صدر منه اتفاقاً‏.‏ ثم إنَّه لا قطعَ عندنا بعد قطع اليد اليمنى، والقدم اليسرى، لأنَّه يُفحضِي إلى تفويت جنس المنفعة‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللّهِ تَعَالى‏:‏ ‏{‏وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 38‏)‏ وَفي كَمْ يُقْطَع

وَقَطَعَ عَلِيٌّ مِنَ الكَفِّ، وَقالَ قَتَادَةُ، في امْرَأَةٍ سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ شِمالُهَا‏:‏ لَيسَ إِلاَّ ذلِكَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تُقْطَعُ اليَدُ في رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ واعلم أنَّ نصابَ السرقة عند مالك‏:‏ ربعُ الدينار، وهو درهمانَ ونصف‏.‏ وعند الشافعية‏:‏ ربعُ الدينار في الذهب، وثلاثةُ دراهم في الفضة‏.‏ وعندنا‏:‏ عشرةُ دراهم‏.‏ وهو أيضاً مرويٌّ عند النَّسائي بإِسنادٍ صحيحٍ‏.‏

ثم للحنفية في وجه التفصِّي عمَّا يُخَالِفُهم وجوهٌ‏:‏ منها أنَّهم ادَّعوا فيه الاضطرابَ، وذهب بعضُهم إلى النسخ‏.‏

قلتُ‏:‏ والأمرُ عندي أنَّ القطعَ أوَّلاً، كان في ثمن المِجَنِّ، كما في الحديث الآتي عند البخاريِّ، وغيرِه، عن عائشةَ‏:‏ «أنَّ يدَ السارق لم تُقْطَع على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلّم إلاَّ في ثمن مِجَنَ»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وكان المسلمون في أوَّل أمرهم في العُسْرَةِ، فكان المِجَنُّ يساوي ثلاثةَ دراهم‏.‏ حتَّى إذا جاء اللَّهُ لهم بالسَّعَة والفراغ، ازداد ثمنُه أيضاً، فبلغ إلى عشرة دراهم، كما هو عند النسائيِّ، عن ابن عبَّاسٍ‏:‏ «كان ثمن المِجَنِّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقوَّم عشرةَ دراهمٍ»‏.‏ وكذا عند أبي داود، عن عطاء، عن ابن عبَّاسٍ قال‏:‏ «قطع رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم يدَ رجلٍ في مَجَنَ قيمتُه دينارٌ، أو عشرةُ دراهم» اه‏.‏

فدلَّ على أنَّ الأصلَ عندهم في نصاب السرقة، كان هو المِجَنُّ، وإنَّما تدرَّج نِصَابُه من ثلاثة إلى خمسةٍ وعشرةِ، بتدرُّج قيمة المِجَنِّ‏.‏ وإذن انجلى الوجهُ، فلا أقولُ بالنسخ، ولكن أقولُ‏:‏ إنَّ الأمرَ استقرَّ آخراً على كون النصاب عشرةَ دراهمٍ‏.‏ وقد سلك الطحاويُّ فيه مسلك التعارض، فتركتُه أيضاً، وأقررتُ أنَّ كلَّ ما رُوِي في الأحاديث ثابتٌ بلا ريبٍ، إلاَّ أنَّ آخرَ الأمر ما قلنا‏.‏

وهكذا فعلتُ في حدِّ الخمر، ومسألة المهر‏.‏ فلا بُعْدَ أن يكونَ المهرُ في ابتداء الإِسلام نحو خاتم حديدٍ، إذا كان الناسُ صعاليكَ، ليس عندهم دينارٌ، ولا درهمٌ، فلمَّا جاءهم اللَّهُ بالسَّعَة، استقرَّ الأمرُ على عشرة دراهمٍ واللَّهُ تعالى أعلمُ، وعلمُه أحكمُ‏.‏

باب‏:‏ تَوْبَةِ السَّارِق

والتوبةُ‏:‏ الكفُّ عن المعصية‏.‏ والاستغفارُ‏:‏ طلب الغفران‏.‏ فَيَقْتَصِرُ الأوَّل على من اقترفَ ذنباً، بخلاف الثاني، فإنَّه يكون لنفسه، ولغيره، وقد مرَّ‏.‏ وكذا التوبةُ لا تجامع الذنب، بخلاف الاستغفار، فإنَّه يُجَامِعُه، فإنه يتمكَّنُ أن يأتي بذنبٍ، وهو يستغفرُ أيضاً، ويمكن أن ينفع له أيضاً‏.‏ أمَّا التوبةُ، فهي ضِدُّه، فلا يُجَامِعُه‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

كتاب‏:‏ المُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الكُفرِ وَالرِّدَّة

باب‏:‏ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا جَزَآء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الاْرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الاْرْضِ‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 33‏)‏

باب‏:‏ لَمْ يَحْسِمِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم المُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى هَلَكُوا

باب‏:‏ لَمْ يُسْقَ المُرْتَدُّونَ المُحَارِبُونَ حَتَّى ماتُوا

واعلم أنَّ الجمهورَ حملوا المحاربةَ في قوله تعالى المذكور على قطع الطريق‏.‏ ولعلَّ البخاريَّ حملها على الكفر والارتداد‏.‏ ولا شكَّ أنَّ الجناباتِ كلَّها كانت متحقِّقةً فيمن نزلت فيهم الآية‏.‏ ومن ههنا تردَّدت الأنظارُ أنَّ مدارَ الحكم ما هو‏؟‏ الكفرُ والارتدادُ، أم قطعُ الطريقِ‏.‏

6802- قوله‏:‏ ‏(‏ثم لَمْ يَحْسِمْهُمْ‏)‏، وذلك لأنَّه أراد قتلَهم‏.‏ والحسمُ لئلاَّ يَخْرُجَ الدَّمُ كلُّه، فيموتوا‏.‏

باب‏:‏ سَمْرِ النبي صلى الله عليه وسلّم أَعْيُنَ المُحَارِبِين

6805- قوله‏:‏ ‏(‏قَالَ أَبُوا قِلاَبَةَ‏:‏ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ سَرَقُوا، وقَتَلُوا، وكَفَرُوا بعد إِيمَانِهِمْ، وحَارَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ ويترشَّحُ منه أنَّ المحاربةَ غيرُ الارتداد، فإنَّه عَطَفَ المحاربةَ على الكفر بعد الإِيمان، وهو الارتدادُ‏.‏ وهذا يُخَالِفُ ما رامه البخاريُّ‏.‏

باب‏:‏ فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الفَوَاحِش

6806- قوله‏:‏ ‏(‏سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ‏)‏ قال الشارحون‏:‏ إنَّ المرادَ بظلِّ الله ظلُّ عرشه‏.‏ وإنَّما الإِضافةُ فيه للتشريف، لا لأنَّ ظلاًّ‏.‏ أقول‏:‏ إن كان عندهم روايةٌ على هذا المعنى، فذاك هو المرادُ، وإلاَّ فالكلامُ على ظاهره‏.‏ والظنُّ يكون نحواً من تجلِّيه تبارك وتعالى، ويكون مرئياً يُشَاهِدُه الناسُ، ويراه عياناً، ويَجْلِسُون فيه‏.‏ ثم إنَّ ذلك الظلّ ليس حادثاً من ذاته تعالى، بل هو مخلوقٌ تعالى‏.‏ وإن كنتَ دَرَيْتَ حقيقةَ التجلِّي، لم يَبْعُد عندك ما قلنا‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

باب‏:‏ إِثْمِ الزُّنَاة

وَقَوْلِ اللّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَزْنُونَ‏}‏ ‏(‏الفرقان‏:‏ 68‏)‏‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً‏}‏ ‏(‏الإِسراء‏:‏ 32‏)‏‏.‏

6709- قوله‏:‏ ‏(‏هَكَذَا، وشَبَّكَ بين أَصَابِعِهِ‏)‏ واعلم أنَّ في نزع الإِيمان تشبيهان‏:‏ الأوَّلُ‏:‏ ما في حديث الباب‏.‏ والثاني‏:‏ أنَّ الإِيمان يكونُ على رأسه كالظُّلَّة، فإذا نُزِعَ عنه عاد إليه‏.‏ وبينهما فرقٌ، فالتشبيهُ الأوَّلُ لبيان صورة الاتصال والانفصال، والثاني لبيان محله بعد الانفصال، وأنَّه لا يزول عنه بالكليَّةِ، ولا يُسْلَبُ عنه اسمُ الإِيمان، فإذا انْتُزِعَ عنه بقي فيه أثرُه، وهو التنجُّس لا غير، وذلك لا يُنَافِيه‏.‏ وإله يُشِيرُ قول أبي هريرة‏:‏ «والتوبةُ معروفةٌ بعدُ»‏.‏

قلتُ‏:‏ وإذا كان الإِيمانُ يُنْزَعُ عنه مرَّةً، فلعلَّه يُحْدِثُ فيه ضعْفٌ، فإنَّ الساقطَ لا يعود، وأنَّى تَحْي الأمواتُ قبل النشور‏.‏

باب‏:‏ رَجْمِ المُحْصَن

وَقالَ الحَسَنُ‏:‏ مَنْ زَنَى بِأُخْتِهِ حَدُّهُ حَدُّ الزَّانِي‏.‏

6812- قوله‏:‏ ‏(‏رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم لم يخرِّج المصنِّفُ الروايةَ بتمامها، وأخرجها الحافظُ في «الفتح»، وفيها‏:‏ «إنِّي جلدتُها بالقرآن، ورجمتُها بالسنة» وحملها النَّاسُ على النسخ‏.‏ قلتُ‏:‏ والذي تبيَّن لي أنَّ أصلَ الحدِّ فيه ما ذكره القرآن، وهو الجلدُ‏.‏ أمَّا الرجمُ، فحدٌّ ثانويٌّ‏.‏ وإنَّما لم يأخذه القرآنُ في النظم إخمالاً لذكره، ليندريء عن الناس ما اندرأ، فكان الجلدُ حدّاً مقصوداً، لا ينفكُّ عنه بحالٍ‏.‏

وأمَّا الرجمُ فهذا، وإن كان حدّاً، لكنَّ المقصودَ درؤُه متى ما أمكن‏.‏ فلو أخذه في النظم لحصل تنويهُ أمره، وتشهيرُ ذكره، والمقصودُ إخمالُه‏.‏ كيف ولو كان في القرآن، لكان وحياً يُتْلَى إلى مدى الدهر، فلم يَحْصُل المقصودُ‏.‏ ولهذا المعنى جَمَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بينهما مرَّةً، واكتفى بأحدهما أخرى وهو معنى ما عن عمر في «الفتح» حين سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أن يَكْتُبَ آيةَ الرجم، حيث قال له‏:‏ «كيف وأنَّهم يَتَهَارَجُون تهارُجَ الحُمُرِ»‏.‏ أراد به أنَّ التهارُجَ شائعٌ، وجزاءَه الرجمُ، فلو أَكْتُبُهُ لحصل تنويهٌ‏.‏ فالأوْلى أن يكونَ الرجمُ باقياً في العمل، وخاملاً في القرآن، ولو كتبتُه في القرآن لتأكد أمرُه، فلا يُنَاسِبُهُ الدرءُ، والمقصودُ هو ذلك مهما أمكن‏.‏

ثم في حديث عليّ‏:‏ أنَّ رجمَه إيَّاها كان بالسنة‏.‏ وقال الفقهاء‏:‏ إنَّه بالآيةِ المنسوخةِ التلاوة، الباقيةِ الحكمِ‏.‏ قلتُ‏:‏ وتلك الآية، وإن نُسِخَت في حقِّ التلاوة، إلاَّ أن هذا الركوعَ كلَّه في قصة الرجم‏.‏

6814- قوله‏:‏ ‏(‏فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وهي شرطٌ عندنا لهذا الحديث‏.‏ وإذا وَرَدَ التفصيلُ في موضعٍ، فَلْيُحْمَل عليه الإِجمالُ من موضعٍ آخر‏.‏

باب‏:‏ لاَ يُرْجَمُ المَجْنُونُ وَالمَجْنُونَة

وَقالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ‏:‏ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ القَلَمَ رُفِعَ عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ‏؟‏

باب‏:‏ لِلعَاهِرِ الحَجَر

قوله‏:‏ ‏(‏وعن النَّائِمِ حتَّى يَسْتَيْقِظَ‏)‏ وراجع له كلامَ شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، فإنَّه أجاد فيه، ووضع له فصلاً مستقلاًّ في كتابه‏.‏

وقال المالكيةُ‏:‏ إنه يُسْأَلُ لِمَ يَفِرُّ‏؟‏ فإن كان من ألم الحجارة، يُرْجَمُ، وإلاَّ لا‏.‏

وقال الشافعيةُ‏:‏ إن له خياراً في الرجوع قبل أن يُرْجَمَ، فإذا دخل النَّاسُ في الرجم لا يعتبر بفراره‏.‏

ومذهبُ الحنفية، والجوابُ على طورهم ما سمعت‏.‏

ولنا أيضاً أن نقولَ‏:‏ إنَّا لو سلَّمنا سقوطَ الرجم عنه في القصة المذكورة، فإِنَّما لم يُوجِبْ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عليهم الدِّيَةَ، لأنَّها قصة الأوائل، والناسُ بعدُ حديثو عهدهم بالجاهلية، فاعتبر جهلَهم عُذْراً إذ ذاك‏.‏ وقد مرَّ الكلامُ منِّي في اعتبار الجهل، وعدمه مبسوطاً في العلم فراجعه‏.‏

باب‏:‏ الرَّجْمِ في البَلاَط

كان موضعاً خارج المسجد، مفروشاً بالحجارة‏.‏

باب‏:‏ الرَّجْمِ بِالمُصَلَّى

يمكن أن يكونَ المرادُ منه مصلَّى العيد، أو الجنائز‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سُئِلَ عليه أبو عبد اللَّهِ، يَصِحُّ‏)‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، مال البخاريُّ إلى أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يُصَلِّ عليه‏.‏ والراجحُ عندي أنه صلَّى عليه صلى الله عليه وسلّم

باب‏:‏ مَنْ أَصَابَ ذَنْباً دُونَ الحَدِّ، فَأَخْبَرَ اْلإِمامَ، فَلاَ عُقُوبَةَ عَلَيهِبَعْدَ التَّوْبَةِ، إِذَا جاءَ مُسْتَفتِيا

قالَ عَطَاءٌ‏:‏ لَمْ يُعَاقِبْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم وَقالَ ابْنُ جُرَيجٍ‏:‏ وَلَمْ يُعَاقِبِ الَّذِي جامَعَ في رَمَضَانَ، وَلَمْ يُعاقِبْ عُمَرُ صَاحِبَ الظَّبْيِ، وَفِيهِ‏:‏ عَنْ أَبِي عُثْمانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم

باب‏:‏ إِذَا أَقَرَّ بِالحَدِّ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَل للإِمامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيه

باب‏:‏ هَل يَقُولُ اْلإِمامُ لِلمُقِرِّ‏:‏ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ أَوْ غَمَزْت

باب‏:‏ سُؤَالِ اْلإِمامِ المُقِرَّ‏:‏ هَل أَحْصَنْت

باب‏:‏ الاعْتِرَافِ بِالزِّنَا

قوله‏:‏ ‏(‏وَلَمْ يُعَاقِبْ عُمَرُ صَاحِبَ الظبْي‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وإنَّما لم يعاقبه عمرُ، لأنَّه حضره بنفسه‏.‏ وفي القصة أنَّه لما حَضَرَ عمرُ تلفَّظ‏:‏ الصبيّ، بلهجة شابهت بالضاد، فلم يفهم عمرُ ما يقول، فاستفهم الناسَ، فقالوا‏:‏ يُريدُ الظبيَ‏.‏ ففيه دليلٌ على أنَّ الضاد، والظاء، بينهما تشابه جداً، حتى يُوضَعَ أحدُهما مكانَ الآخر‏.‏ والمسألةُ لمَّا نوَّه بها غيرُ المقلَّدين، تُوُهِّم أنَّها من مسائلهم، وليس كذلك‏.‏

باب‏:‏ رَجْم الحُبْلَى مِنَ الزِّنَا إِذَا أَحْصَنَت

6830- قوله‏:‏ ‏(‏فلمَّا سَكَتَ المُؤَذِّنُونَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ فيه دليلٌ على تعدُّد المؤذِّنين في عهد عمر، فحكمُ البِدْعَةِ على أذان الجوق، شطط، أما تعدد الأذان في الجمعة، فقد ثبت عن عثمان ثبوتاً فاشياً، غير أن المصنف لم يضع في كتابه ترجمة على أذان الجوق‏.‏

6830- قوله‏:‏ ‏(‏فَأَخْشَى إنْ طَالَ بالنَّاسِ زمانٌ أنْ يَقُولَ قائلٌ‏:‏ واللَّهِ ما نَجِدُ آيةَ الرَّجْمِ في كتابِ اللَّهِ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ وقد كان عمرُ أرادَ أَنْ يكتُبَها في المُصْحَف‏.‏ فإنْ قلت‏:‏ إِنَّها إِن كانت مِنْ كِتَابِ الله، وَجَبَ أَنْ تَكْتُبَ، وإلا وَجَبَ أَنْ لا تُكْتَب، فما معنى قولُ عُمر‏؟‏ قلتُ‏:‏ أَخْرَجَ الحافظُ عنه‏:‏ لكَتَبْتُها في آخر القرآن‏.‏

6830- قوله‏:‏ ‏(‏إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ، أَوْ الاعْتِرَافُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ واعلم أنَّ الحبلَ عند المالكية كالبيِّنة، والاعترافِ‏.‏ فإن ظَهَرَ بها الحملُ ولم تَنْكَحْ، تَرْجَم، إلاَّ أن تُقِيمَ بيِّنةً على الحِلِّ، أو الاستكراه‏.‏ وعندنا، وعند الشافعية‏:‏ الرجمُ بالبيِّنة، أو الاعراف، فحسب، ولا عِبْرَةَ بالحبل‏.‏ وليس الإِمامُ مأموراً أن يتَّبع عورات الناس، فيفتِّش عن الحبل، كيف هو‏؟‏ ومن أين هو‏؟‏ والعجبُ من الحافظ أنَّه أجاب به المالكيةَ ههنا، ونسيه، أو تناساه في مسألة ثبوت النسب في المشرقية والغربي‏.‏

وقد مرَّ مفصَّلاً‏:‏ أن الحنفيةَ لم يقولوا في مسألة المشرقية إلاَّ عينَ ما قاله الحافظُ في مقابلة المالكية في تلك المسألة‏.‏

أمَّا الجوابُ عمَّا في الحديث‏:‏ أنَّ الحَبَلَ، وإن لم يكن سبباً مستقلاًّ للرجم، إلاَّ أنَّه سببٌ في الجملة، لأنَّ الحديثَ لا ينقطع عن الحبل إلاَّ بعد تساؤل الناس، وتحادثِهم عنه، فإِمَّا أن ينتهيَ الأمرُ إلى الاعتراف، أو البينة‏.‏ فالسببُ انتهاءً هو هذان‏.‏ نعم، قد يسبقهما حبلٌ، فيصيرُ كالسبب البعيد للرجم، فعدَّه سبباً مستقلاًّ‏.‏

باب‏:‏ البِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَان

‏{‏الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ الزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 2- 3‏)‏ قالَ ابْنُ عُيَينَةَ‏:‏ رَأْفَةٌ إِقامَةُ الحُدُودِ‏.‏

باب‏:‏ نَفيِ أَهْلِ المَعَاصِي وَالمُخَنَّثِين

لا يُرِيدُ بزِنَى البِكْرَانِ‏:‏ الزاني، والمَزْنِيَّةَ، بل هو عام، سواءٌ زَنَى البِكْرُ الزاني من ثَيِّب، أَوْ الثيِّبُ مِنْ باكِرة‏.‏

6833- قوله‏:‏ ‏(‏قَضَى فِمَنْ زَنَى، ولم يُحْصَنْ‏:‏ بنفي عامٍ، وبإِقامةِ الحَدِّ عليه‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وفي روَايةٍ‏:‏ «مَعَ إقامة الحد»‏.‏ وتَمَسَكَ منها الشيخُ ابنُ الهُمامِ على كَوْنِ النفي خارجاً عن الحدِّ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ أَمَرَ غَيرَ اْلإِمامِ بِإِقَامَةِ الحَدِّ غائِباً عَنْه

6835، 6836- قوله‏:‏ ‏(‏فَاغْدُ على امْرَأَةِ هَذَا‏)‏ إلخ، وإنَّما أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أُنَيْسَاً أَنْ يَغْدُو إِليها، وَيَسْأَلَ عَنْ أَمْرها، مَعَ أَنَّ مَبْنَى الحدِّ على الستر، والدُّرْءِ، لأنَّ قِصَةَ العَسِيفِ تَضمَّنَتْ قَذْفاً أيضاً، وذلك مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ الذي يَجِبُ استيفَاؤُه، فحقق أَمْرَها، حتى اعْتَرَفت، فَرُجِمَتْ‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيرٌ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 25‏)‏‏.‏

باب‏:‏ إِذَا زَنَتِ الأَمَة

باب‏:‏ لاَ يُثَرَّب عَلَى اْلأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلاَ تُنْفى

6837- 6838 قوله‏:‏ ‏(‏ولم تُحْصَنْ‏)‏ وللإِحصانِ شَرائِطَ عند الفقهاء، أما في الأحادِيثِ فأكْثَرَ ما يُسْتَعْمَلُ فيه بمعنى التَّزَوج، والمراد به ههنا العِفَّة، لأنَّ الأَمةَ حدّها الجَلْدُ، سواءٌ تزوجت أوْ لا‏.‏

باب‏:‏ أَحْكامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِحْصَانِهِمْ، إِذَا زَنَوْا وَرُفِعُوا إِلَى اْلإِمام

باب‏:‏ إِذَا رَمى امْرَأَتَهُ أَوِ امْرَأَةَ غَيرِهِ بِالزِّنَا، عِنْدَ الحَاكِمِ وَالنَّاسِ، هَل عَلَى الحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيهَا فَيَسْأَلَهَا عَمَّا رُمِيَتْ بِه

وافَقَ الفقهاءُ الثلاثةُ في حُكْمِ الإِحصان على أَهْلِ الذِّمَّة، وعندنا- مِنْ شَرَائطِ الإِحصان‏:‏ الإِسلامُ- فليسوا بمُحصِنينَ، ولا يكونُ حدُّهم الرَّجْم‏.‏ أَمَّا رَجْمُ اليهوديين كما في الحديث، فكان بحُكْمِ التَّورَاة، كما أَجَابَ بهِ الطَّحاوي، وقد بَسطْنَاه مِنْ قَبْل‏.‏

باب‏:‏ مَنْ أَدَّبَ أَهْلَهُ أَوْ غَيرَهُ دُونَ السُّلطَان

وَقالَ أَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم «إِذَا صَلَّى، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَمُرَّ بَينَ يَدَيهِ فَليَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبى فَليُقَاتِلهُ»‏.‏ وَفَعَلَهُ أَبُو سَعِيدٍ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجلاً فَقَتَلَه

باب‏:‏ ما جاءَ في التَّعْرِيض

باب‏:‏ كَمِ التَّعْزِيرُ وَاْلأَدَب

6848- قوله‏:‏ ‏(‏لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إلاَّ في حدَ من حُدُودِ اللَّهِ‏)‏‏.‏

واعلم أنَّ التعزِيزَ عندنا لا يَنْبَغي أَنْ يَبْلُغَ أخفَّ الحُدُودِ‏.‏ فلا يُزادُ على تِسعٍ وثلاثينَ ضربات‏.‏ ولا تحديدَ فيه عند أبي يوسف، كما في «شرح معاني الآثار» للطَّحاوي، فهو مَؤْكُولٌ إلى رأي الإِمامِ عنده، وذلك في التَّعْزِيرِ مِنَ السِّياط‏.‏ أمَّا إذا خَرَجَ مِنْ ذلك النَّوع، وأَرَادَ التَّعزيرَ بغيرِهِ، فيجوزُ له حتى القَتْل، عند إِمَامَنَا الأعظمُ رحمه الله تعالى أيضاً‏.‏

والجوابُ عن الحديثِ على ما نقله الشيخُ تقي الدين بنُ دقيق العيد عن فَاضِلٍ لم يَذْكُر اسمَهُ‏:‏ أَنَّ الحدَّ فيه ليس بالمعنى المُصْطَلح، بل على حدِّ قوله تعالى‏:‏ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ‏(‏البقرة‏:‏ 229‏)‏‏.‏

قلتُ‏:‏ وذلك الفاضلُ هو الحافظُ ابنُ تيمية، ولعله لم يَذْكُرهُ باسمِهِ، لأنَّه كان مِنْ كِبَارِ أولياءِ الله، معاصراً لابن تيمية، وكان ابن تيمية يُشَدِّدُ الكلامَ في أولئكَ، فأحَبَّ أَنْ لا يَذْكُرَ اسمهُ، والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

والذي ظهر لي في هذا الباب أَنَّ المسألةَ، كما ذكرها أبو يوسف، لما قد ثَبَتَتْ الزيادة على العشر في غيرِ واحدٍ من الأحاديث، إلا أَنَّ العملَ بِها لا يُسوَّغ، إلا لمُتدين يُراعي حدودَ الله، ويحفظُ أوامرَ الشرع، ولا ينبغي الافتاءُ بها عامة، فَتَبْسُط الظلمةُ أيديَهم، فَيُضَيِّقون أرضَ الله تعالى على النَّاس‏.‏

هذا في التعزير، وأما التأديب، فله أَنْ يفعَلَهُ في عشيرَتِهِ بغيرِ إذْنِ السلطان‏.‏

باب‏:‏ مَنْ أَظْهَرَ الفَاحِشَةَ وَاللَّطْخَ وَالتُّهَمَةَ بِغَيرِ بَيِّنَة

باب‏:‏ رَمْيِ المُحْصَنَات

وقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 4- 5‏)‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنتِ لُعِنُواْ فِى الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 23‏)‏‏.‏ وقَوْلِ اللَّهِ‏:‏ ‏{‏والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا‏}‏ الآية ‏(‏النور‏:‏ 6‏)‏

6855- قوله‏:‏ ‏(‏تلكَ امْرَأةٌ أَعْلَنَتْ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، ترجمته آواراتهى، وإنَّما لم يُقِمْ عليها الحدَّ، لأنَّها كانت أَخف مِنْ أَنْ يَهْتَم لها أحدٌ، فيأتي عليها ببينة‏.‏

6856- قوله‏:‏ ‏(‏فَوَضَعَتْ شَبِيهاً بالرَّجُل الذي ذَكَرَ زَوْجُهَا أنَّه وَجَدَهُ عندها، فَلاَعَنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بينهما‏)‏ وهذا الراوي يوافقنا في أَنَّ القَذْفَ كان في حالِ الحَمْلِ، ولم يَحْكُم النبيُّ صلى الله عليه وسلّم باللَّعانِ بينهما إلا بَعْدَ الوضعِ‏.‏

باب‏:‏ قَذْفِ العَبِيد

ولمَّا كان الحدُّ ساقطاً عَنْ مولاهُ في الدنيا، فلو قَذَفَهُ وهو بَرِيءٌ، يُقَامُ عليه الحدُّ في الآخرة‏.‏

باب‏:‏ هَل يَأْمُرُ اْلإِمامُ رَجُلاً فَيَضْرِب الحَدَّ غائِباً عَنْه

وَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ‏.‏

وقد مَرَّتْ قَبْلَها ترجمةٌ مثلُها‏:‏- باب‏:‏ مَنْ أَمَرَ غيرَ الإِمَام بأِقَامَةِ الحدِّ غائباً عنه، فلا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بينَهُمَا‏.‏

فأقول‏:‏ إنَّ المقْصُودَ في تلكَ الترجمةِ بيانُ أنَّ الإِمامَ هل لهُ ولاَيةٌ على تَوْلِيةِ غَيْرِهِ لإِقامةِ الحدِّ‏؟‏ وكان المقصودُ فيما سَبَقَ هو حالُ الغَيْرِ، أي هل للغيرِ إقامة الحَدِّ عند غَيْبُوبةِ الإِمامِ إذا كان وَلاَّه عليها، ولذا لف الفاعل ههنا، ولم يُصرح أَنَّ الآمِرَ مَنْ هو، وإِنْ كان الآمِرَ في الخارجِ هو الإِمامُ، إلا أَنَّ الغَرَضَ فيه لم يَكُنْ إلا حالَ المأمورِ، بخلافه في تلك الترجمة، فإنَّ المحط بيان حال الإِمام، ولذا صرَّح بهِ، وقال‏:‏ وهل يأمرُ الإِمامُ‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وحينئذ يَخْتَلِفُ الجوابُ فيهما أيضاً، فإنَّ جوابَ التَّجمةِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ يجوزُ للغيرِ إقامةُ الحدِّ، إذا كان الإِمامُ أَمَرَهُ بِهِ، كما أقامَهُ أُنيسٌ في قِصة العَسِيف‏؟‏ وجوابُ تلك الترجمةِ‏:‏ أَنَّ لزِمامِ ولايةٌ لتوليةِ الغيرِ عليها، كما ولى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أُنيساً على إقامةِ الحدِّ، فافترقتا، وبعبارة أخرى‏:‏ إن الترجمة السابقة كانت في قوله‏:‏ «فَرَجَمَها»، وهذه التَّرْجَمةُ في قوله‏:‏ «أغْدُ يا أُنيس»‏.‏ وحينئذٍ لم يَبْقَ بينهما التباسٌ، واللَّهُ تعالى أعلمُ بالصَّواب‏.‏